أبو الليث السمرقندي
495
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله عز وجل : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ؛ وقرأ بعضهم : الزَّانِيَةُ بنصب الهاء على معنى : اجلدوا الزانية والزاني ، وهكذا السارق والسارقة بالنصب على هذا المعنى . ويقال : في الزنى بدأ بذكر المرأة ، لأن الزنى في النساء أكثر ، وفي السرقة بدأ بالرجال ، لأن السرقة في الرجال أكثر . وقراءة العامة بالرفع على معنى الابتداء ، وقيل : إنما بدأ بالمرأة ، لأنها أحرص على الزنى من الرجال ، ويقال : لأن الفعل ينتهي إليها ، ولا يكون إلا برضاها . ثم قال : فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ، يعني : إذا كانا غير محصنين وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ . قرأ ابن كثير رآفة بالهمزة والمد ، وقرأ أبو عمرو بالمد بغير همز ، وقرأ الباقون بالهمز بلا مد ، ومعنى الكل واحد وهو الرحمة ، وقال بعضهم : الرأفة اسم جنس ، والرحمة اسم نوع . قال بعضهم : الرأفة للمذنبين ، والرحمة للتائبين ، وهو قول سفيان الثوري . وقال بعضهم : الرأفة تكون دفع المكروه ، والرحمة إيصال المحبوب ، يعني : لا تحملنكم الشفقة عليهما على ترك الحد ، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يعني : في دين اللّه ، أي في حكم اللّه إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني : يوم القيامة . وإنما سمي اليوم الآخر ، لأنه لا يكون بعده ليل فيصير كله بمنزلة يوم واحد . وقد قيل : إنه تجتمع الأنوار كلها ، وتصير في الجنة يوما واحدا ، وجمعت الظلمات كلها في النار ، وتصير كلها ليلة واحدة . ثم قال : وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني : ليحضر عند إقامة الحد طائفة من المؤمنين . وفي حضور الطائفة ثلاث فوائد : أولها : أنهم يعتبرون بذلك ، ويبلغ الشاهد الغائب والثانية : أن الإمام إذا احتاج إلى الإعانة أعانوه ، والثالثة : لكي يستحي المضروب ، فيكون زجرا له من العود إلى مثل ذلك الفعل . وقال الزهري : « الطائفة ثلاثة فصاعدا » ، وذكر عن أنس بن مالك أنه قال : « أربعة فصاعدا » ، لأن الشهادة على الزنى لا تكون أقل من أربعة . وقال بعضهم : اثنان فصاعدا . وقال بعضهم : الواحد فصاعدا ، وهو قول أهل العراق ، وهو استحباب وليس بواجب . وروي عن ابن عباس أنه قال : « رجلان » ، وعن مجاهد قال : « واحد فما فوقه طائفة » ؛ وروي عن ابن عباس مثله . [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 3 إلى 5 ] الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( 3 ) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 4 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) قوله عز وجل : الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً . روي عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : « أن رجلا يقال له مرثد بن أبي مرثد قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أأنكح عناقا ، يعني : امرأة بغيّة كانت بمكة ؟ قال : فسكت عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، حتى نزلت هذه الآية الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً ،